محمد بن أحمد الفرغاني

15

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

حكم مقام الجمع ولسانه عليه ، أو بحكم الحكاية والترجمانية عمّن ينسب ذلك الذوق إليه ، ولمّا كانت حقيقة الحقائق « 1 » التي هي أجمل النسب وأجمع الدقائق متنزّلة من مقام الوحدانية « 2 » والسواء ، متفصّلة بالمراتب إلى كمال الجلاء والاستجلاء لم يكن لأحدية جمعيّتها وحقيقة سوآئيتها مظهرا تامّ المضاهاة ومجلى ومنظرا كامل المواتاة إلا القالب الأمجد الأجمل المحمدي ، والقلب الأوحد الأكمل الأحمدي ، فأصبحت بهما متصدّية لكمال الإفصاح والبيان لاحتظائها بجوامع الكلم ، وأضحت فيهما متعرّضة لتمام الإيضاح والتبيان لاعتنائها باهتداء كافّة الخلق وسائر الأمم ، لكنها لما صرفت عن صرف أحد أسلوبي البيان وهو الشعر من حيث مقام النبوّة والرسالة رفعا لشبهة أهل الزيغ ودفعا لشنعة أهل الضلالة ، فوّض زمام البلاغة والفصاحة في النظم من أحد أسلوبي الكلام إلى اتّباع هذا المظهر الأجمل وسلم عنان الحصافة واللّطافة في الشعر من نوعي البيان إلى أشياع هذا المنظر الأكمل ، وإن من أرقّهم وألطفهم نظما وعبارة وأدقّهم وأشرفهم معنى وإشارة وأكبرهم اهتماما بتحقيق حقائق إمامه وهاديه ، وأكثرهم اغتناما لفرصة تلفيق طرائق مرام أعلامه الذي حلّ هو بواديه ، إنما كان الشيخ الإمام الأجلّ الأوحد والأمجد الأوجد شرف الدين عمر بن علي السعدي المنسوب إلى بني سعد قبيلة حليمة ظئر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو المشهور بابن الفارض المصري قدّس اللّه سرّه وأعلا ذكره ، فإنه بعد تقلّباته في أغوار الحبّ وإبحاره وتطوّراته في أطر القرب وأطواره قد أوقف من وراء حجاب رداء كبرياء الرتبة الأكملية على سبحات جمال

--> ( 1 ) حقيقة الحقائق : هي الذات الأحدية الجامعة لجميع الحقائق ، ويسمى حضرة الجمع وحضرة الوجود . ( 2 ) الواحدية : هي منشأ الأسماء والصفات ؛ لأن العماء : هو الغيم الرقيق ، والغيم : هو الحائل بين السماء والأرض ، وهذه الحضرة هي الحائلة بين سماء الأحدية ، وبين أرض الكثرة الخلقية . وهذه الحضرة تتعيّن بالتعيّن الأول ؛ لأنها محل الكثرة ، وظهور الحقائق والنسب الأسمائية ، فكلّ ما تعيّن فهو مخلوق . فهي العقل الأول . قال عليه السلام : « أول ما خلق اللّه العقل » . فإذا لم يكن فيه قبل أن يخلق الخلق الأول بل بعده ، والدليل على ذلك : أن القائل بهذا القول يسمّي هذه الحضرة : حضرة الإمكان وحضرة الجمع بين الوجوب والإمكان والحقيقة الإنسانية ، وكل ذلك من قبيل المخلوقات ، ويعترف بأن الحق في هذه الحضرة متحلّ بصفات الخلق ، فكل ذلك مقتض أن ذلك ليس قبل أن يخلق الخلق . اللّهمّ إلا أن يكون مراد السائل بالخلق ، العالم الجسماني ؛ فيكون العماء : الحضرة الإلهية المسمّاة بالبرزخ الجامع ، ويقوّيه أنه سئل عن مكان الرّبّ فإن الحضرة الإلهية منشأ الربوبية .